الذهبي
341
سير أعلام النبلاء
قراءة هذا الكتاب سوى نبذ منه ، فإن نفس الله في العمر ، مددت فيه الأنفاس ، وأزلت عن القلوب الالتباس : اعلموا أن هذا رأيت تلامذته ، فكل منهم حكى لي نوعا من حاله ما قام مقام العيان ، فأنا اقتصر على ذكر حاله ، وحال كتابه ، وذكر جمل من مذاهب الموحدين والمتصوفة ، وأصحاب الإشارات ، والفلاسفة ، فإن كتابه متردد بين هذه الطرائق . ثم إن المازري أثنى على أبي حامد في الفقه ، وقال : هو بالفقه أعرف منه بأصوله ، وأما علم الكلام الذي هو أصول الدين ، فإنه صنف فيه ، وليس بالمتبحر فيها ، ولقد فطنت لعدم استبحاره فيها ، وذلك أنه قرأ علوم الفلسفة قبل استبحاره في فن الأصول ، فأكسبته الفلسفة جرأة على المعاني ، وتسهلا للهجوم على الحقائق ، لان الفلاسفة تمر مع خواطرها ، لا يزعها شرع ، وعرفني صاحب له أنه كان له عكوف على رسائل إخوان الصفا ، وهي إحدى وخمسون رسالة ، ألفها من قد خاض في علم الشرع والنقل ، وفي الحكمة ، فمزج بين العلمين ، وقد كان رجل يعرف بابن سينا ملا الدنيا تصانيف ، أدته قوته في الفلسفة إلى أن حاول رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة ، وتلطف جهده ، حتى تم له ما لم يتم لغيره ، وقد رأيت جملا من دواوينه ، ووجدت أبا حامد يعول عليه في أكثر ما يشير إليه من علوم الفلسفة . وأما مذاهب الصوفية ، فلا أدري على من عول فيها ، لكني رأيت فيما علق بعض أصحابه أنه ذكر كتب ابن سينا وما فيها ، وذكر بعد ذلك كتب أبي حيان التوحيدي ، وعندي أنه عليه عول في مذهب التصوف ، وأخبرت أن أبا حيان ألف ديوانا عظيما في هذا الفن ، وفي " الاحياء " من الواهيات كثير . قال : وعادة المتورعين أن لا يقولوا : قال مالك ، وقال الشافعي ، فيما لم يثبت عندهم .